ابن كثير
183
البداية والنهاية
الزهري : وكل قد حدثني بهذا الحديث وبعض القوم كان أوعى له من بعض وقد جمعت كل الذي حدثني القوم . قال ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة وعبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة عن نفسها حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا ، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا ، يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه ، وكل كان عنها ثقة ، فكلهم حدث عنها بما سمع قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ، فلما كان غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه ، كما كان يصنع ، فخرج سهمي عليهن معه فخرج بي رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : وكان النساء إذ ذاك يأكلن العلق ( 1 ) لم يهجهن اللحم فيثقلن ، وكنت إذا رحل لي بعيري جلست في هودجي ، ثم يأتي القوم الذين كانوا يرحلون لي فيحملونني ، ويأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير ، فيشدونه بحباله ، ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به . قالت : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك ، وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل ، ثم أذن مؤذن في الناس بالرحيل ، فارتحل الناس وخرجت لبعض حاجتي ، وفي عنقي عقد لي فيه جزع ( 2 ) ظفار ، فلما فرغ انسل من عنقي ولا أدري ، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت التمسه في عنقي فلم أجده وقد أخذ الناس في الرحيل ، فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته ، وجاء القوم خلافي ، الذين كانوا يرحلون لي البعير وقد كانوا فرغوا من رحلته ، فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه ، كما كنت أصنع فاحتملوه فشدوه على البعير ، ولم يشكوا أني فيه ثم أخذوا برأس البعير ، فانطلقوا به فرجعت إلى العسكر وما فيه داع ولا مجيب ، قد انطلق الناس . قالت فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني ، وعرفت أن لو افتقدت لرجع الناس إلي . قالت : فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان ( 3 ) بن المعطل السلمي وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجاته فلم يبت مع الناس فرأى سوادي فأقبل حتى وقف علي وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب فلما رآني قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وأنا متلففة في ثيابي . قال ما خلفك يرحمك الله ؟ قالت فما كلمته . ثم قرب إلي البعير فقال : اركبي واستأخر عني . قالت فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعا يطلب الناس ، فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي ، فقال أهل الإفك ما قالوا وارتج العسكر
--> ( 1 ) العلق : جمع علقة ، وهو الطعام القليل ما يسد به الرمق . ( 2 ) جزع : خرزيمان يصنع في ظفار ، مدينة باليمن قرب صنعاء . ( 3 ) وهو صفوان بن المعطل بن وبيصة بن المؤمل بن خزاعي بن محارب بن مرة بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهنة بن سليم ذكره الكلبي . قال السهيلي : " كان صفوان على ساقة العسكر يلتقط ما يسقط من متاع الجيش ليرده إليهم ، ولذلك تخلف " وقيل إنه كان ثقيل النوم ، ذكره أبو داود .